ابن المقفع
164
آثار ابن المقفع
وإنما البلاء كيف أنسيت ذلك في أمري أو ما بلغك عن العلماء أنهم قالوا : من ادعى علم ما لا يعلم وشهد على الغيب أصابه ما أصاب البازيار « 1 » . قال القاضي وكيف كان ذلك ؟ قال دمنة : زعموا أنه كان في بعض المدن رجل من المرازبة « 2 » مذكور ، وكانت له امرأة ذات جمال وعفاف . وكان للرجل بازيار ماهر خبير بعلاج البزاة وسياستها ؛ وكان هذا البازيار عند هذا الرجل بمكان خليل بحيث أدخله داره وجعله كواحد من أهلها . فاتفق أن وقعت كلمة من البازيار فتسخطت لها زوجة مولاه ونفرت فغضب وعمل على « 3 » أن يكيدها بمكيدة . فخرج يوما إلى الصيد على عادته فأصاب فرخي ببغاء فأخذهما وجاء بهما إلى منزله ورباهما . فلما كبرا فرق بينهما وجعلهما في قفصين وعلم أحدهما ان يقول رأيت ريبة في بيت مولاي ؛ وعلم الآخر أن يقول : اما انا فلا أقول شيئا . ثم أدبهما على ذلك حتى اتقناه وحذقاه « 4 » في ستة أشهر . فلما بلغ الذي أراد منهما حملهما إلى مولاه ، فلما رآهما أعجباه ونطقا بين يديه فأطرباه إلا أنه لم يعلم ما يقولان لان البازيار كان قد علمهما بلغة البلخيين . وإن المرزبان أعجب بهما إعجابا شديدا وحظي البازيار عنده بذلك حظوة « 5 » كريمة فأمر امرأته بالاحتياط عليهما والاحتفاظ بهما ففعلت المرأة ذلك . فاتفق أنه بعد مدة قدم على الرجل قوم من عظماء بلخ « 6 » فتأنق لهم في الطعام والشراب وجمع من أصناف الفواكه والتحف شيئا كثيرا ، وحضر القوم ؛ فلما فرغوا من الطعام وشرعوا في الحديث أشار المرزبان إلى البازيار أن يأتي بالببغاءين فأحضرهما . فلما وضعتا بين يديه صاحتا بما كانتا علمتاه ،
--> ( 1 ) البازيار كلمة فارسية معربة ، ومعناها مربي البازي . ( 2 ) المرازبة : جمع مرزبان وهو رئيس الفرس . ( 3 ) عمل على كذا : سعى فيه . ( 4 ) حذفاه : مهرا فيه . ( 5 ) حظي عنده حظوة : وجد عنده كرامة ومكانة . ( 6 ) بلخ : بلد من أعمال خراسان .